محمد طاهر الكردي
194
التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم
والحكمة في دفن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في اللحد دون الشق واللّه تعالى أعلم هي : صون جثته وحفظ حرمته صلى اللّه عليه وسلم من أن يعلو عليه أحد حين الدفن لإهالة التراب عليه ؛ لأنه عليه الصلاة والسلام ، مدفون مندرج في جانب القبر - فإهالة التراب تكون في نفس حفرة القبر المشقوق ، فلا يقف من يهيل التراب فوق جثته الشريفة ، صلى اللّه عليه وسلم . أما إذا دفن الميت في الشق بوسط القبر فإن الحفار يضطر أن يقف على سقف القبر ليهيل التراب فيكون وقوفه على جثة الميت - فاللّه عز وجل اختار لنبيه صلى اللّه عليه وسلم أشرف كيفية الدفن وخير حالاته . إن ( محمدا ) صلى اللّه عليه وسلم ، هو رسول اللّه وخاتم النبيين وخير الخلائق ، أجمعين ، فله حرمة عظيمة ومكانة كريمة والصحابة رضي اللّه تعالى عنهم ، كانوا معه صلى اللّه عليه وسلم على آداب عالية جدا حتى إنهم ما كانوا يرفعون أصواتهم عنده ولا يجهرون له كجهر بعضهم لبعض ، بل ما كانوا يرفعون أصواتهم عند منبره بعد مماته صلى اللّه عليه وسلم فكيف يقدر أحدهم أن يعلو قبره الشريف حين الدفن ؟ إنه في حياته صلى اللّه عليه وسلم لم يعل أحد فوق بيته - وهذا أبو أيوب الأنصاري ، رضي اللّه تعالى عنه ، لما هاجر صلى اللّه عليه وسلم من مكة إلى المدينة ونزل في داره في الدور الأسفل ليكون أريح لزائريه - لم يرض أبو أيوب بذلك إكراما وتأدبا له وقال له : يا نبي اللّه ، بأبي أنت وأمي ، إني أكره وأعظم أن أكون فوقك وتكون تحتي . فاظهر أنت فكن في العلو وننزل نحن ونكون في السفل - فقال عليه الصلاة والسلام : يا أبا أيوب ، إن الأرفق بنا وبمن يغشانا أن نكون في سفل البيت ، فما زال أبو أيوب الأنصاري ، رضي اللّه تعالى عنه ، يستعطف رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ويقول له : لا أعلو سقيفة وأنت تحتها ، حتى صعد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إلى العلو وتحول أبو أيوب في السفل . إذا علمت ما تقدم ، ظهر لك حكمة دفن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في اللحد - واللّه سبحانه وتعالى ، أعلم بسر ذلك وحكمته ، فإنه جل جلاله يختار لأنبيائه ورسله في حياتهم وفي مماتهم أفضل الحالات وأشرفها - إنهم من عباده المكرمين ، صلوات اللّه وسلامه عليهم وعلى آلهم وأصحابهم أجمعين - سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد للّه ربّ العالمين . جاء في الأنوار المحمدية ما نصه - ذكر الواحدي بسند وصله بعبد اللّه بن مسعود : نعى لنا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم نفسه قبل موته بشهر ، فلما دنا الفراق جمعنا في بيت عائشة ، فقال : حياكم اللّه بالسلام رحمكم اللّه ، جبركم اللّه ، رزقكم اللّه ،